أ-
انتفاع الميت بعمل الحي
هناك تعارض ظاهري بين الأية القرأنية والحديث النبوي فى هذه القضية.
وهي قوله تعالى فى سورة النجم الاية 39 : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى
والحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها : "من مات وعليه صيام
صام عنه وليه."
تخريج الحديث
وجوه التعارض
ان فى الأية دلالة على ان الانسان لا يحصل الا على ما اكتسبه نفسه اي
لا نيابة فى العمل حيا كان او ميتا. اذا، الميت لا ينتفع بعمل الحي. وفى الحديث
خلاف ذلك، لأن الميت ينتفع بصيام وليه عنه.
اقوال العلماء في هذه الآية
اختلف العلماء في هذه الآية
على ثمانية أقوال[5]
:
أحدها : أنها منسوخة بقوله
: { وأَتْبَعْناهم ذُرِّياتِهم بإيمان } [ الطور : 21 ] فأُدخل الأبناء الجَنَّة بصلاح
الآباء ، قاله ابن عباس.
والثاني : أن ذلك كان لقوم
إبراهيم وموسى ، وأما هذه الأمَّة فلهم ما سَعَوا وما سعى غيرُهم ، قاله عكرمة ، واستدل
" بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته : إنَّ أبي مات ولم يحُجَّ
، فقال : «حُجِّي عنه». والثالث : أن المراد بالإنسان هاهنا : الكافر ، فأمّا المؤمن
، فله ما سعى وما سُعي له ، قاله الربيع بن أنس .
والرابع : أنه ليس للإنسان
إلاّ ما سعى من طريق العدل ، فأمّا مِنْ باب الفَضْل ، فجائز أن يَزيده اللهُ عز وجل
ما يشاء ، قاله الحسين بن الفضل .
والخامس : أن معنى «ما سعى»
ما نوى ، قاله أبو بكر الورّاق .
والسادس : ليس للكافر من
الخير إلا ما عمله في الدُّنيا ، فيُثاب عليه فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خير ،
ذكره الثعلبي .
والسابع : أن اللام بمعنى
«على» فتقديره : ليس على الإنسان إلا ما سعى .
والثامن : أنه ليس له إلاّ
سعيه ، غير أن الأسباب مختلفة ، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق
، وتارة يسعى في خِدمة الدِّين والعبادة ، فيكتسب محبة أهل الدِّين ، فيكون ذلك سببا
حصل بسعيه ، حكى القولين علي بن عبيد الله الزاغوني .
اقوال العلماء في هذا
الحديث
واختلف العلماء على
ثلاثة اقوال :
القول الأول : أنه يصوم الولي
عن الميت النذر فقط .
وهو قول أحمد وإسحاق، حملاً
للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس.[6]
القول الثاني : يصام عن الميت
النذر والواجب بأصل الشرع .
قال النووي[8] : اختلف
العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضى عنه وللشافعي
في المسألة قولان مشهوران أشهرهما لا يصام عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلا والثاني يستحب
لوليه أن يصوم عنه ويصح صومه عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى اطعام عنه وهذا القول
هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث
لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة وأما الحديث الوارد من مات وعليه صيام أطعم عنه فليس
بثابت ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن يحمل على جواز الأمرين فان من
يقول بالصيام يجوز عنده الاطعام فثبت أن الصواب المتعين تجويز الصيام وتجويز الاطعام
والولى مخير بينهما.
القول الثالث : لا يصام عن
الميت مطلقاً .
وهذا مذهب الجمهور . لقول
ابن عباس : ( لا يصلِّ أحد عن أحد ، ولا يصم أحد عن أحد ) . أخرجه النسائي، ولقول عائشة
: ( لا تصوموا عن موتاكم ، وأطعموا عنهم ) . أخرجه عبد الرزاق . قالوا : فلما أفتى
ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه ، دلّ ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه .
و أجاب الجمهور عن حديث عائشة
:
" قالوا المراد بقوله
( صام عنه وليه ) أي يفعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام .
حل التعارض بين الاية
والحديث
واذا نظرنا وتأملنا الى
اقوال العلماء حول هذه الاية وهذا الحديث، فوجدنا ان الخروج من هذا التعارض ممكن
بما يلي :
1.
طريقة النسخ، وذلك ان الأية منسوخة فلا يعمل به.
2.
طريقة الجمع، وذلك اما ان يكون من باب العام والخاص، وهي ان الاية عام
ويخصصه هذا الحديث. واما ان يكون المراد بالانسان فى الاية هو الكافر فلا يشمل
المؤمن. واما ان تكون الاية خاص لقوم ابرهيم وموسى، واما ان يكون المراد بما سعى
هو من طريق العدل لا من طريق الفضل. واما ان يكون المراد بما سعى هو بما نوى، واما
ان معنى للانسان هو على الانسان، واما ان الاية باق على عمومه اي ليس له إلاّ سعيه
، غير أن الأسباب مختلفة ، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق ،
وتارة يسعى في خِدمة الدِّين والعبادة ، فيكتسب محبة أهل الدِّين ، فيكون ذلك سببا
حصل بسعيه، اذا، صيام الولي عن الميت من سعيه ايضا وهي تحصيل قرابة تترحم عليه.
والجمع اولى من النسخ لأن الاية فى صيغ الخبر ولا نسخ فيه.
والخلاصة : لا تعارض بين هذا الحديث والاية 39 من سورة
النجم فى الحقيقة، وانما التعارض تعارض ظاهري، وهي لوجهين : ( أحدهما ) أنه قد ثبت
بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه كدعاء الملائكة
واستغفارهم له كما في قوله تعالى { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون
به ويستغفرون للذين آمنوا } الآية . ودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم كما في قوله
تعالى { وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } وقوله سبحانه : { ومن الأعراب من يؤمن بالله
واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول } وقوله عز وجل : { واستغفر
لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } كدعاء المصلين للميت ولمن زاروا قبره - من المؤمنين -.
( الثاني ) : أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه وهذا حق فإنه لا يملك
ولا يستحق إلا سعي نفسه وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه ؛ لكن هذا لا يمنع أن ينفعه
الله ويرحمه به ؛ كما أنه دائما يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم .
[7]أحمد بن يحيى النجمي، تأسيس الأحكام
بشرح عمدة الأحكام على ما صح عن خير الأنام، ( المكتبة الشاملة ).
Tidak ada komentar:
Posting Komentar